إنسان ما بعد نكبة النكبات

بواسطة / شهرين . مضى. / اخبار, مقالات و أراء / لا تعليقات
إنسان ما بعد نكبة النكبات

بقلم / د. نبيل شبيب

يمر بنا يوم ١٥ /٥ /٢٠١٧م فيذكّرنا بنكبة ١٩٤٨م، وقد أخذت موقعها في المسيرة التاريخية لمجتمعاتنا، كمحطة مفصلية بين محطة تاريخية سبقتها ولها جملة عناوين أهمها اتفاقية (سايكس بيكو)، ومحطة تاريخية معاصرة، لها جملة عناوين أيضا، أهمها عبارة (الربيع العربي).

لا نتوقف عند تفاصيل األحداث التاريخية والتطورات والتقلبات السياسية، بل نتوقف عند عنصر »اإلنسان« فمجتمعاتنا تحتاج حاجة مصيرية إلى »كوادر وقيادات« للبقاء والنهوض، أي تحتاج إلى صناعة »تكوينية« –مع األحالم المشروعة العريضة- لإلنسان القادر حيثما يوجد ومن خالل رؤاه وكفاءاته وتخصصاته ومهاراته، وعلى امتداد أعوام عمره، على اإلسهام في ميدان أو أكثر من ميادين مسيرة النهوض والتقدم.

من موبقات التجزئة نفترض أن هذا محور جوهري ألنشطة المجتمع الأهلي – المدني، عموما وتحت عنوان (سورية)، التي بات كثير منا يرى أن ما تعانيه مع أخواتها في مسار (الربيع العربي) وما تشهده من ممارسات غير مسبوقة تستهدف قهر إرادة التحرر الشعبية، قد بات أكبر وأفظع من ممارسات عرفتها نكبة ١٩٤٨م ومسلسالتها التالية، وهذا نتيجة مقارنات فيها خلل كبير، إذ نغفل عن أن تلك النكبة كانت وما تزال نكبة النكبات وحاضنتها منذ ٦٩ سنة حتى الآن.

على هذه الخلفية وبين يدي ما تراكم من نكبات وفواجع، يطرح السؤال نفسه عن مواصفات الإنسان (الفرد) القادر على الخروج (جماعيا) بمجتمعاتنا وبالادنا من منحدر صناعة النكبات والهزائم والتخلف، إلى مرتقى التحرر والعدالة والتقدم، وهو ما يفرض ضرورة التخلص من تغلغل النظرة التجزيئية إلى أعماق نفسياتنا وظاهر سلوكنا العملي، وكأن ّ ممارسات ترسيخ التجزئة بدهيات مقدرة علينا، أو كأننا نتابع بأنفسنا تنفيذ ما تدينه ألسنتنا من أهداف »سايكس بيكو«. نحن من نوصل بأنفسنا حاليا قضايانا الكبرى المشتركة إلى مرحلة تمزيق الممزق جغرافيا من أقطارنا..نحن من وصلنا بأنفسنا إلى جوالت صراع (صفري) بين مزق نسيجنا الاجتماعي.. وبات هذا وذاك سدودا منيعة بالضرورة دون تحرك فعال مشترك لا غنى عنه في أي قضية كبرى كقضية النهوض والتقدم.

إن مصداقية أي هدف نطرح وجدية أي عمل نمارس رهن برؤية حقيقة ما نحن عليه، وليس ما نحن فيه مع تبريره بما يصنع (الآخر العدو) كما نقول غالبا، فالا قيمة لما نصنع ما لم نضع في الحسبان شروط النجاح (رغم) وجود عمل مضاد دون توهّم زواله من تلقاء نفسه! بين قهر مفروض وأنانية مرفوضة.

المحور الحاسم الذي يصنع الانسان العاجز عن النهوض فيسبب استمرار السقوط على منحدر النكبات والتخلف هو الاستبداد بمعنى قهر الإرادة الفردية والجماعية، ثم الفساد بمعنى تقويض الإمكانات الذاتية والقضاء حتى على براعمها الأولى.

هذا ناهيك عن مفعول التجزئة الذي يحاصر أي (عمل جماعي) حقيقي في مختلف الميادين، حتى تجاوز حالة (التجزئة القطرية) إلى مفعول (لأنانية الفردية)، المتجلية في ألوان من التطرف فكرا وتصورا وصداما، أفرزها الخلط بين ظاهرة طبيعية تتمثل في تعدد انتماءات معروف في جميع أنحاء المعمورة وبين ظاهرة مصطنعة لتعدد اتجاهات إقصائي، يريد أن يوهمنا أن مجرد التفكير في عمل مجتمعي مشترك عبر حدود قطرية وانتمائية هو ضرب من المستحيل.

لقد تسرب ذلك إلى صناعة لاإنسان الفرد، إناثا وذكورا، ناشئة، ونخبا، من خالل مناهجنا التعليمية والتربيوية والإعلامية، ومن خالل تنظيماتنا وتجمعاتنا الرسمية وغير الرسمية، ومن خالل توجهاتنا الفكرية والاجتماعية وحتى الادبية والفنية.. فأين جوابنا العملي الا التنظيري على ذلك؟ مهمة تأسيسية.

أولا: أصبحت جدوى أنشطة صناعة (إنسان النهوض) تحت عنوان المجتمع الأهلي – المدني مرتبطة بمدى إخفاقها أو نجاحها في أداء مهمة أولية (تأسيسية) تتجاوز مفعول صناعة (إنسان النكبات والتجزئة والتخلف) وتعطي كلمة (النهوض) مضمونا متجددا يلغي توظيف التعددية في الهدم بدال من البناء.

ثانيا: هذه المهمة التأسيسية في مجتمعاتنا بما فيها المجتمع السوري، أكبر كثير وأوسع من مهام أنشطة (مجتمع مدني) في مجتمعات متقدمة مستقرة نسبيا، إذ الا تقتصر حاجتنا على أنشطة (تكميلية) في تكوين مجتمع ناهض متقدم، لمراعاة الحفاظ على حرياته وحقوقه، بل نحتاج أولا إلى تثبيت أقدام الإنسان في مجتمعنا على الدرجة الأولى من درجات سلّم النهوض، المعنوي والمادي، بما يتضمن بالضرورة تحرير الإرادة الفردية والجماعية الشعبية، واستعادة الحريات والحقوق.

ثالثا: إن أعظم الإبداعات والاختراعات التي ساهمت في تحقيق قفزات تقدم واسعة في تاريخ البشرية هي تلك التي اخترقت بعطاءاتها ونتائجها الحواجز والحدود، وهذا ما يتطلب من العمل الأهلي – المدني الناشئ في بالدنا، أن يراعي شروط تنشئة إنسان الآفاق الواسعة، القادر على توظيف أهدافه القطرية والانتمائية المشروعة توظيفا يتفاعل مع احتياجات جنس الإنسان، فالا تبقى نظرته محاصرة بوطأة الاحتياجات ّ الآنية الملحة بسبب (النكبات والمعاناة والتخلف).

رابعا: نعلم أيضا أن أكثر منظمات المجتمع الأهلي – المدني تحقيقا للنجاح في الميادين الحقوقية الإنسانية أو في ميادين الحقوق المادية المعيشية، هي تلك التي تحركت منذ نشأتها الأولى برؤى ومخططات وأنشطة ومشاريع تجاوزت حدود بلدان النشأة الأولى أو الانتماء إلى منطقة عالمية بعينها، فأصبحت منظمات (إنسانية) التشكيل والأبعاد رغم الصعوبات والعراقيل التي واجهتها وتواجهها.

خامسا: نتحدث عن بعد إنساني يتجاوز الحدود في بناء العمل الأهلي – المدني على مستوى المجتمع السوري، ونعلم بوجود صعوبات وعقبات في (المرحلة التأسيسية) مع استمرار وجود الاستبداد والفساد ودعمهما الخارجي، ويبقى الحد الأدنى المطلوب هو ترسيخ هذا البعد في تكوين الوعي والمعرفة لدى الإنسان الفرد المستهدف بالبرامج والأنشطة والمشاريع المختلفة، بحيث تقترن تلبية الضرورات والاحتياجات الملحّة، بجملة تصورات أساسية عن القواسم المشتركة لدى جنس الإنسان، ليس من منطلق الشكوى من أوضاعنا الراهنة، بل من منطلق الوعي بأن أحد أسباب التدهور في الحقبة التاريخية الراهنة هو التردي في منحدر التوظيف الخاطئ للتعددية الإقصائية بدال من التركيز على القواسم المشتركة.

التميز في صناعة إنسان النهوض، نحتاج لتحقيق ما سبق إلى رؤية جامعة لهوية القيم وحداثة الوسائل، للتحول من منحدر النكبات والهزائم والتخلف إلى مرتقى الإنجازات والعطاء والتقدم، والمقصود بتلك الرؤية هو تالقي فئاتنا المجتمعية على قواسم مشتركة مع استيعاب الوسائل الحديثة لعمل مشترك، دون أوهام (تطابق) ما نراه متفرقين وهو مستحيل، فالمطلوب هو تكامل الأفكار والأهداف وصياغة مخططات ألعمال تتكامل إنجازاتها عبر قواسم مشتركة بين قضايانا، وبين فئاتنا، وقواسم مشتركة تلغي مفعول التجزئة القطرية وغير القطرية في مجتمعاتنا.

إن العنصر الإنساني المشترك مع سوانا في المجتمع البشري لم يمنع سوانا من التميز بعمله الناجح في ميادين المجتمع المدني انطالقا من رؤى وليدة إرث معرفي حضاري تاريخي ذاتي لديه، والا ينبغي أن تمنعنا من ذلك أيضا، فدون ذلك الا يتحقق مبدأ (الأخذ والعطاء) في العالقات العابرة للحدود.

غياب الذات المتميزة يعني تثبيت معادلة الهيمنة والتبعية وقد تراكمت الأدلة على استحالة أن تصنع (نهوضا) لمن يقبل بموقع التابع بدال من الشريك في البناء، وظهور الذات المتميزة هو الخطوة األولى لرؤية قواسم مشتركة مع الآخر يمكن البناء عليها.

إن إنسان النهوض الذي نتطلع إلى أنشطة تأسيسية لصناعة مقوماته رغم وجودنا حتى الآن في منحدر النكبات والتخلف، هو الشرط الأول للنقلة المرجوة إلى حقبة النهوض والتقدم.. فهل ينجح العمل الأهلي – المدني في سورية في غرس الشتلة الأولى على هذا الطريق وهو طريق مشترك مع مجتمعات شقيقة للمجتمع السوري وكذلك مع قوى فاعلة من أجل إنسانية الإنسان من وراء تعدد الانتماءات والرؤى الإيجابية ورغم صراع المنحرفين عن ذلك ورغم رؤاهم السلبية؟ هذا ما نرجوه ونتطلع إليه.