الجودة واستدامة منظمات المجتمع المدني

الجودة واستدامة منظمات المجتمع المدني

بقلم / د. رغداء زيدان

إذا أردنا تقديم تعريف بسيط للجودة في المؤسسات والشركات والمنظمات عامة، فإن تعريف مؤسسة “او. دي. آي” الأمريكية يعدّ معبراً بدقة عن المطلوب، حيث يقول: “الجودة هي إتمام الأعمال الصحيحة في الأوقات الصحيحة”.

لكن هذا التعريف للجودة في منظمات المجتمع المدني لا يكفي، لأن تلك المنظمات لا تعمل عملاً ربحياً، فهي مؤسسات غير ربحية، تعمل في الشأن العام، وتمثّل مجموعة المبادئ والقيم التي يؤمن بها أعضاؤها، سواءً كانت سياسية أم إغاثية أم ثقافية أم علمية أم اجتماعية.. إلخ.

لذلك فإن جودة عمل تلك المنظمات من حيث التنظيم والإدارة وتقديم الخدمات، يؤمن استمرارها، وبالتالي يحقق الأهداف التي قامت لأجلها.

ركائز الجودة

وفقاً لتقرير أعدته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، فإن منظمات المجتمع المدني بحاجة لمجموعة ركائز حتى تستطيع أن تستمر بعملها، أذكر منها باختصار:

– ما يتعلق بالبيئة القانونية والسياسية التي تسهل عمل تلك المنظمات وتحميها من التدخل الحكومي.

– ما يتعلق بالقدرة التنظيمية للعمل داخل وخارج المنظمة.

– ما يتعلق بالسلامة المالية، والقدرة على التمويل.

– ما يتعلق بتقديم الخدمات ومدى استجابتها لحاجات المجتمع.

– ما يتعلق بالبنية التحتية للمنظمة، وتقديم التدريب اللازم والمستمر للأعضاء.

– ما يتعلق بالقياس والتقييم والمساءلة والتخطيط الاستراتيجي.

كما أن هناك ركائز أخرى ضرورية لعمل المنظمة تتعلق بالدولة والجوانب السياسية والقانونية فيها، والتي تؤمن استمرار عمل تلك المنظمة والذي يعد ترجمة واقعية لمدى الجودة الإدارية والتنظيمية لها.

جودة المنظمات السورية

وإذا عدنا لمنظمات المجتمع المدني السورية، سواءً العاملة داخل البلاد أم خارجها، فإننا نجد أنها تفتقد لركائز مهمة للاستمرار، مما يشير إلى ضعف في الجودة الإدارية فيها، وذلك بسبب ظروف الحرب من جهة، وبسبب الارتباط القوي بالداعم الخارجي، الذي يؤثر بشكل كبير على خطط تلك المنظمات وأعمالها.

ويمكن إجمال أهم نقاط ضعف الجودة التي تعاني منها منظمات المجتمع المدني السوري بـ:

– مشاكل قانونية، تتعلق بعدم استكمال إجراءات التسجيل القانوني، وإهمال المخالفات، أو عدم إجراء انتخابات حقيقة لمجلس الإدارة، الذي يفتقد في كثير من المؤسسات والمنظمات السورية للتنوع من الجنسين. وبالرغم من وجود نظام داخلي مكتوب عند كثير منها إلا أنه يبقى حبراً على ورق، ولا يوجد جهة تتابع تقيد العاملين به وبأحكامه.

– مشاكل تنظيمية وإدارية وتوظيفية، تتعلق بظروف نشأة تلك المنظمات التي قامت في ظل ظروف الحرب بسورية، ولدوافع مصلحية في أحيان كثيرة، حيث يتم تعيين الجهاز الإداري والعاملين في بعض المنظمات وفقاً للعلاقات الخاصة والشللية، وهو ما يعني إبعاد الكفاءات في أحيان كثيرة عن الوظائف المناسبة لحساب العلاقات والمصالح.

– مشاكل تمويلية ومالية، حيث اعتمدت كثير من منظمات المجتمع المدني على الداعم الخارجي، ولم تستطع تأمين دعم مستمر، أو تأمين منح خارجية، لأسباب تتعلق بغياب الاستراتيجيات والتخطيط الناتج عن الضعف الإداري الذي أشرنا إليه سابقاً.

– عدم القدرة على بناء نظام يضمن شفافية العمل والمساءلة والرقابة، فكثير من منظمات المجتمع المدني السورية لا يوجد فيها إدارات رقابة وهو ما يهدد وجودها واستمرارها، فضلاً عن جودة أدائها.

– العمل المدني السوري حتى الآن لم يستطع تحديد الفئة المستهدفة بدقة، لذلك نرى أن معظم المنظمات تتوجه لغالبية فئات المجتمع، مما يهدر الإمكانيات والجهود، وهو ما يظهر غياب الرؤى وعشوائية العمل وتدني جودة الخدمات المقدمة.

هذه المشاكل وغيرها، أثرت بصورة كبيرة على جودة عمل تلك المنظمات وفاعليتها، لذلك فإن تقديم الخدمات الصحيحة في الوقت والزمان المناسبين لمجتمع مكلوم كالمجتمع السوري، تعددت مصائبه، وتنوعت مشاكله، حتى كادت رقعه تصعب على الراقع، تجعل من تنظيم العمل المدني، والاهتمام بجودة عمله، أمراً ضرورياً جداً، فنحن بحاجة لتنظيم الجهود، والاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة كافة، للوصول إلى أعلى النتائج. وهذا يعني أن جودة العمل الإداري في المنظمة المدنية هو مسؤولية كل فرد فيها، وليست مسؤولية قسم أو مجموعة معينة، لذلك فإن قياس التقدم الذي تم إحرازه في مسيرة الجودة في مؤسسة أو منظمة ما، أمر غاية في الأهمية، لأنه يوضح للعاملين في المنظمة أين يسيرون، وإلى ماذا يسعون، وبالتالي تصبح المنظمة قادرة على وضع قوانين وأنظمة عمل وخطط تسعى في مجملها نحو تحقيق الجودة المطلوبة، التي تعني كما قلنا بداية، استمرار عمل المنظمة ووجودها.