مؤتمر المرأة السورية

مؤتمر المرأة السورية

بقلم / د. خضر السوطري

دخلت بهوَ الفندق كانت مجموعة من الشابات السوريات  يلبسن لباساً فلكلورياً مختلفاً ملوناً مزركشاً يحكي قصة التلوّن السوري الجميل.

استوقفتني إحداهن، وسألتْ عن بطاقة الدعوى، أبرزتها  لها وخلال لحظات قليلة قدمت لي بطاقة التعريف، وقادتني أخرى إلى بهو مسرح ضخم يتسع إلى ما يقرب من خمسمائة شخص، كان ممتلئاً بالنساء. والغريب أنني أحسست أنني وحفنة قليلة من الرجال كشامةٍ صغيرةٍ في ذلك الجسد النسائي الكبير.

لحظات وانطفأت الأنوار، شاهدتُ ريبورتاجاً إعلامياً يحكي قصةً في غاية التشويق، ورغم أن مسحةٌ من الحزن تشوبه على حال المرأة التي ترملت وظُلمت وتهمشت وتهجّرت في مجتمعٍ ذكوري بامتياز، إلا أن الجميل في ذلك البرومو هو مدته التي لم تزد عن الخمس دقائق فقط ولكنه كان مؤثراً، ويحكي الكثير من الإحصاءات والأرقام والمشاهد المؤثرة، وكان أروع ما فيه نهايته المبشرة الواعدة.

انطلقت الأضواء وتوالى المتحدثون وكانت الكلمات تميل إلى البروتوكولية والإشادة بدور المرأة وأهميتها، وكانت كلمة ممثل الأمم المتحدة شفافة وقوية اعترفَ فيها بإهمال هذا الملف الهام، والتقصير بمتابعته، وتبرع بعشرة ملايين يورو لتنظيم وتطوير المرأة السورية. وتمت دعوتي للحديث ممثلاً عن رابطة الشبكات المدنية السورية، قلت: وباختصار علينا أن نركِّز على تمليك المرأة وسائل التمكين في شتى المجالات.

كلمات السيدات كانت مختصرة وعملية شرحت آلية الانتقال إلى الورشات العملية التي قُسِّمت إلى خمس ورشات “أربعة” منها تتعلق بالشأن العام (التعليم – الشباب – حقوق الإنسان – الطفولة الضائعة) “وورشة واحدة فقط ” تتعلق بـ(إنشاء مجلس المرأة السوري).

يوم واحد فقط كان في غاية التنظيم، نتائجه كانت من خلال الورشات ونجاحه كان من الإعداد المسبق المبني على الإحصاءات والبيانات، وخُتم بأقوى مؤتمر صحفي حضره العديد من وسائل الإعلام للإضاءة على الحدث الأكبر في هذا العام.

كان ذلك حلمي حيث استيقظت في منتصف الليل متقلباً في فراشي. صحوت وتلفتُّ يمنةً ويسرةً وجدت نفسي في غرفةٍ في فندق بمرسين المدينة التركية الوادعة على شاطئ المتوسط، وهي مدينة هادئة جميلة راقية. تذكرت أننا في شهر نيسان شهر الربيع الجميل وهو وقت زهر الليمون حيث تشتهر تلك المدينة بزراعتها للبرتقال ومشتقاته.

نهضت مسرعاً وفتحت النافذة وإذا بعبق زهر الليمون يدخل غرفتي ويلامس شغافي ويداوي جراحي ويعيدني مرةً ثانية إلى مربع الْحُلْم.

ذكرت الله وتذكرت دورة الحوكمة لمنظمات المجتمع المدني والتي سنقيمها لمنظمات مرسين وهي من أهم الدورات للمنظمات وهي عدا أنها تتكلم عن المأسسة والأنظمة فهي تجعل كل منظمة تقيس أداءها وواقعها على معايير الحوكمة وتعرف مدى قربها وبعدها منها.

طار النوم وحضر الفكر. كنت قلقاً على التجاوب مع هذه الدورة وخفتُ من قلّة الحضور، وفعلاً في الصباح كان الحضور قليلاً إلاّ أنّ كفة السيدات الممثلات للفرق التطوعية كان يمثل ما يقرب النصف ما طمأنني أننا على موعد مع النجاح.

انتهت الدورة وكان على هامشها وبعد نهايتها ملتقى نساء مرسين وكان لقاءً مفتوحاً بدعوةٍ من فريق نساء مرسين ولمدة ساعتين فقط، فوجئت فيه بالعدد الكبير للنساء الحاضرات في القاء وكان بحدود خمسين، وكان هناك لقاء على الويبكس “أون لاين” يشارك من خلاله مجلس مشابه يحاول الاستماع والمشاركة والمتابعة.

وكانت ساعات قليلة بحضور كبير أحسست خلالها أن ما رأيته الليلة الماضية ليس حلماً واهماً وإنما خطوة واحدة، وهي بداية الطريق الصحيح.

 إنهنّ قيادات العمل المدني اجتمعنَ في أجواء نيسان الربيعية بملتقى لتشكيل مجلس المرأة في مرسين بكل فاعلية واندفاع وحماس حيث تداعت تلك القيادات من أربع فرق نسائية تناسين كل آلام الهجرة وشظف العيش والتهميش والمعاناة ليشكلن مجلس مرسين النسوي ولأول مرة.

لقد تجاوزن كلّ الخلافات الثقافية والدينية والحزبية واتفقن على العمل ضمن أجندات الوطن الكبير بجميع أطيافه وأديانه وأعراقه، متناسيات كل الخلافات، ناظرات لسوريا المستقبل بلد الحرية والمجتمع المدني في إطار  السلم الأهلي والاجتماعي.

خمس وأربعون سيدة وشابة في باحة فندقٍ قريبٍ من شاطئ البحر الأبيض المتوسط وبرعاية اتحاد منظمات المجتمع المدني وبتنسيق من فريق نساء مرسين وفرقٍ تشمل كل الفعاليات النسائية.

تخلل اللقاء محاضرة لي تحدثت فيها عن آفاق العمل النسوي السوري وأساليب دمجها بكل الأنشطة ودعوت إلى تمكينٍ حقيقي للمرأة بالمجالات كلها، وخاصة مجالات  تشكيل وتدريب قيادة نسائية متمكنة وتمتلك وسائل التمكين.

وقامت القياديات النسوية فعرفن عن أنفسهن وعن فرقهن وأنشطتهن والتحديات الكبيرة التي تواجههن وعن التهميش وعن مجتمع الثقافة الذكوريّة، ودعون إلى تشكيل مجلس نسائي موحد لقيادة العمل النسائي وقمن بالتعاون مع الاتحاد بوضع ملامح ميثاق عمل وخارطة طريق لتطوير وتنمية الأداء النسائي وطالبن بدورات تدريبية نسائية بمختلف التخصصات وتم تشكيل المجلس واختيار خمسة قياديات يمثلن قيادات الفرق التطوعية .

في نهاية اللقاء أعرب الجميع عن أهمية هذا الحدث التاريخي وقامت السيدة سُمَيَّة العلبي رئيسة فريق نساء مرسين بتكريم كادر الاتحاد بهديةٍ تذكاريةٍ معربةً عن شكرها باسم الجميع لجهود الاتحاد في دعم وتطوير العمل النسائي في سورية.

وتكررت المحاضرة (الجلسة النسائية المفتوحة ) في انطاكيا والريحانية وبحماس أكبر وتنوعات فاعلة، وتشكلت مجالس نسائية فعلاً في غاية التميّز. وبدأن السير على طريق طويل ربما ليس للدعوة لتمكين المرأة وإنما لتحرير الإنسان من ثقافات وعادات.

 أيام قليلة ونكرر الجلسة المفتوحة في استنبول ومن ثم إلى أنطاكيا …. فهل نحن على طريق تحقيق ذلك الْحُلْم الجميل.