من المسؤول ؟؟؟!

من المسؤول ؟؟؟!

تعودنا منذ نعومة أظافرنا أن نلقي اللوم غالباً على الآخرين، حتى نتخلص من المسؤولية بأقل الخسائر – كما نعتقد – ولا أستثني من ذلك أحداً، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، عمالاً وموظفين، علماء ومتعلمين، وحكاماً ومحكومين…

كل يتهرب من واجباته بأن يزيح المسؤولية عن كاهله ليضعها على كاهل الآخرين، ولا يألو أحدنا جهداً في كيل التهم للمقصرين، وتحميلهم تبعة تقصيرهم ومسؤوليتهم عن الحال التي وصلت إليها الأمة، بل يحملهم المآلات المحتملة، وبهذه الحقنة المهدئة يرضي ضميره المتألم، ويقنع نفسه القلقة بأنه أدى ما عليه من واجب تجاه أمته.

فعلى مستوى الأسرة يتقاذف الكثير من الأزواج مسؤولية تربية الأبناء وتعليمهم والاهتمام بشأنهم، ويتهم كل منهما الآخر بالتقصير، مع أن المسؤولية مشتركة وتكاملية بين الطرفين.

وعلى مستوى المدرسة يتهم بعض المدرسين طلابهم بالبلادة والبلاهة، ويتهم أولياء الأمور بعدم التفاعل معه فيما يخدم مصلحة أبنائهم، حتى لا يعترفون بتقصيرهم وضعف أدائهم، كما يتهرب بعض أولياء الأمور من الاعتراف بإهمالهم لأبنائهم باتهامهم للمدرسين بعدم الكفاءة وقلة الاهتمام وعدم الجدية في الارتقاء بأبنائهم.

ويتهم الكثير من الشبابِ الكبارَ بالاستحواذ على المناصب والمراكز الهامة والعليا، وعدم الثقة بقدراتهم، والاستهانة بطاقاتهم، والعمل على تهميشهم، مع أن الواقع أن الشباب الذين يثبتون تميزهم وجديتهم يتبوؤون أعلى المناصب وأهمها، كما يتهم الشيوخ الشباب بالميوعة وعدم التركيز والتسيب والتسرع، بينما هناك طاقات جادة موهوبة ملتزمة جديرة بالاهتمام وتنمية قدراتها لتستلم دفة القيادة.

ويتهم بعض الخطباء والعلماء الحاكم وجميع المسؤولين بالفساد والخيانة وعدم الحرص على مصلحة الأمة، دون اعترافهم بتقصيرهم في أداء واجبهم في توعية الناس وتوجيههم والأخذ بأيديهم إلى دروب الخير ومسالكه، فنرى الخطيب المفوه يلوم الظالمين على تقصيرهم، ويبرأ إلى الله من أفعالهم، ولكن دون أن يخطو أية خطوة عملية تنفع الناس وتخرجهم مما ألمّ بهم، وترى لكلمات الخطيب أثر السحر في قلوب ونفوس السامعين، لأنها التقت مع رغبة هؤلاء في تعليق المسؤولية على رقاب الآخرين، فيأنسون لهذا الخطاب وتستكين له جوارحهم، وتتمتم أفواههم باللعنة والدعاء على المجرمين، وذلك دون أن يعترفوا بأدنى مسؤولية تجاه أنفسهم وتجاه أبنائهم ومجتمعهم، حيث يجب على كل فرد أن يبدأ بنفسه فيرتقي بها، ثم يلتفت إلى البناء الداخلي لأسرته، فيسهم في بنائه وإعادة ترتيب لبناته بما يتوافق مع أوامر ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم يتعدى ذلك إلى الآخرين بحسب قدرته وعلمه ومكانه.

وليس المقصود هنا دراسة وتقرير صحة ما فات من اتهام وتدافع للمسؤولية، وإنما نوصف واقعاُ أليماً من حب الهروب والتنصل والتحلل من الواجبات المناطة بكل فرد كل بحسب تأثيره وعلمه ومجال عمله، فالكل راعٍ والكلّ مسؤول عن رعيته.

والسؤال الكبير المحيّر الذي يطرح نفسه ويقتحمنا دونما استئذان هو: من المسؤول عمّا آلت إليه ثورتنا المباركة على أرض الشام المباركة؟؟؟!

لا شك أن الإجابة على مثل هذا التساؤل ليست بالأمر البسيط، وفي نفس الوقت ليست بالأمر المستحيل.

المدنيون يتهمون بعض الفصائل بالتقصير ويتهمون بعضها بالعمل لأجندات خارجية صديقة، ويتهمون بعضها الآخر بالعمل لصالح جهات عدوة للشعب السوري يأتمرون بأوامرها وينفذون رغباتها، ونحن هنا لسنا في صدد تفنيد الآراء وتبيان الحقائق لأن ذات يحتاج لصفحات طويلة، وإنما لا بد هنا من الإشارة إلى جهود الثوار الذين يقدمون أرواحهم وكل ما يملكون نصرة لله ووقوفاً بجوار الحق في مواجهة الظلم والظُّلام، فلا بد من تحية هؤلاء والشد على أيديهم للمتابعة في قافلة الحق والإيمان للوصول إلى تحرير الأوطان، أو الفوز بالجنان.

والعسكريون يتهمون المعارضة في الخارج بالتقصير والانشغال بالفنادق عن الخنادق، وعدم توافق قرارات المعارضة مع خطوات الفصائل على الأرض، وعدم الدعم الكافي معنوياً ومادياً، وتنوع الولاء بما لا يخدم الثورة.

والمعارضة السياسية في الخارج تدفع المسؤولية عن نفسها بأمرين أحدهما: عدم تجاوب وتناغم الفصائل فيما يجب اتخاذه من قرارات تفيد الثورة حالاً ومآلاً، والآخر: الضغوط الخارجية الكبيرة التي لا يدركها إلا من يعمل في هذا الحقل.

والكل يعلق فشله وتقصيره على شماعة التآمر الدولي وخصوصاً روسيا وإيران والميليشيات الموالية لها وإسرائيل ومن خلفها أمريكا.

والحقيقة التي لا مراء فيها هي: أن جميعنا مقصر، بكل أطيافنا وألواننا، وإن كان التقصير متفاوتاً وعلى درجات متباينة كلٌ بحسب إمكانياته وأدائه، ولا شك أن المؤامرة كبيرة على بلادنا، اجتمع فيها علينا كل شذاذ الآفاق والحاقدون والمجرمون والطائفيون من أعداء الطّهر والفضيلة، من كل صوب وناحية، ولا ريب أن النظام السوريّ هو في رأس قائمة الإجرام، فهو الذي أدخل الشعب السوري في قمقم صُكّت منافذه من قِبله، لا يفتحها إلا بالمقدار الذي يراه مناسباً، فبينما كانت تعيش الدول المجاورة عصر التواصل والمعلومة، كان شعبنا يعيش في ظلمة العصور الوسطى، وهو من استجلب المجرمين أمثاله إلى صفّه، ووقف البعض الآخر بحذائه مختاراً مرتاحاً لما قدم له من فروض الطاعة والولاء والحماية، بل كان بمقام الكلب الأمين عند صاحبه، ولا بد أن نعترف جميعاً بأن الفاتورة أصبحت كبيرة لأننا تأخرنا في المبادرة لوقف الظالم عند حده، وتركناه يعيث في الشام فساداً وتكميماً للأفواه، وسجناً وتقتيلاً واغتصاباً و… و… الخ دون أن نأخذ على يده، فنرجو من الله أن يغفر لنا تقصيرنا وإسرافنا في أمرنا، وأرجو من السوريين جميعاً أن يبدؤوا من الآن بلم شعثهم، وجمع كلمتهم، وتوحيد صفّهم، والإخلاص لربهم، وتنقية سرائرهم، والارتقاء بإيمانهم، فوالله ثم والله لا نحتاج بعدها لدعم من شرق أو غرب، وستفر الأحزاب ويولون الدبر، وستختفي الجرزان في أوكارها، وستختفي الخفافيش في كهوفها.